خليل الصفدي
294
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
والناس مختلفون في أمره وأمر المتنبي أشعر والأذكياء على أن المتنبي أشعر والشيخ أثير الدين مذهبه أن أبا تمام أشعر ، وفاوضناه يوما في ذلك فقال بعد ما ذكرنا محاسن المتنبي ومعايب أبي تمام : أنا ما أسمع عذلا في حبيب فأعجبنا منه ذلك وسكتنا وهذا كان مذهب شيخه بهاء الدين بن النحاس . والذي أقوله أنا إنني اخترت شعر الاثنين فجاء مختار المتنبي ألفا وستمائة بيت من جملة ستة آلاف بيت وجاء مختار أبي تمام قريبا من ثمانمائة بيت من جملة ثمانية آلاف بيت أو ما حولها ولا شكّ أنّ من له ألف وستمائة من ستة آلاف أشعر ممن له ثمانمائة من ثمانية آلاف ، والإنصاف يقضي بذلك لكن أبو تمام متقدم وهو الذي فتح باب البديع وغاص على المعنى الدقيق . ومات وله من العمر ثلاثون سنة وكسور فلو عمّر عمر المتنبي وتأخر زمانه حتى يرى أقوال من تقدّمه كان أشعر من المتنبي لأن المتنبي تقدّمه فحول من الشعراء مثل أبي تمام والبحتري وابن الرومي وابن المعتز وأمثالهم فأخذ محاسنهم ورأى أنموذج جيدهم فنسج على ذلك المنوال . وفي أبي تمام قال مخلد بن بكار الموصلي : [ من السريع ] انظر إليه وإلى ظرفه * كيف تطايا وهو منثور ويحك من ألقاك في نسبة * قلبك منها الدّهر مذعور ومدح أبو تمام الخلفاء وأخذ جوائزهم ، وجاب البلاد ، وقصد البصرة وبها عبد الصمد بن المعذّل الشاعر وكان في جماعة من غلمانه وأتباعه فخاف عبد الصّمد أن يميل الناس إليه ويعرضوا عنه فكتب إليه دخوله قبل دخوله : [ من الخفيف ] أنت بين اثنتين تبرز للنا * س وكلتاهما بوجه مذال لست تنفكّ راجيا لوصال * من حبيب أو طالبا لنوال أيّ ماء يبقى لوجهك هذا * بين ذلّ الهوى وذل السؤال